2009-06-16

بين جمال الصورة وجمال الموهبة





هذا عنوان مقال طويل كتبه الأديب العراقي وحيد الدين بهاء الدين في صحيفة القلعة العراقية ، وقد حاول فيه كشفاً لبعض من ملامح حياتها ، ولكن هذا الكشف ما زالت تحوطه ضبابية الترميز ، وباستطاعة القاريء أن يطلع على كثير من أسرار ومجاهيل التاريخ الأدبي المتعلِّق بالشاعرة الأبولونية جميلة العلايلي ، وكثيرين من الأعلام ممن انعقدت بينها وبينهم الصلات الأدبية ، ومن أمثال هؤلاء : أحمد زكي أبوشادي ، والدكاترة زكي مبارك ، والأستاذ أنور الجندي ، والمسرحي "زكي طليمات " ، وإبراهيم ناجي ، وعبد العزيز عتيق ، وعلي أحمد باكثير ، فضلاً عن علاقتها بعدد من الأديبات ،مثل : مي زيادة ، وهدى شعراوي ، ووداد سكاكيني ، وبنت الشاطيء ، وغيرهن الكثير .



إن حياة جميلة العلايلي ، وتاريخها الأدبي والشعري حافل بالكثير مما يستحق الدراسة والتمعن ، وكثير من هذا تستطيعون مطالعته في أطروحتي للماجستير بكلية دار العلوم جامعة القاهرة ، وعنوانها : ( جميلة العلايلي ، حياتها ، وشعرها .. دراسة فنيّة ).


لمطالعة المقال في جريدة القلعة العراقية : اضغط هنا
والآن مع مقال الأستاذ / وحيد الدين بهاء الدين

بين جمال الصورة وجمال الموهبة
مقال لـ وحيد الدين بهاء الدين بجريدة القلعة العراقية
قبل ان تستوعب بصيرتي ابداعها الأدبي عبر الدوريات والمجلات وأنا على عهد المراهقة عمراً وفكراً لفت بصري جمالها الآسر المشرب بظلال الاكتئاب والارتقاب.. فما كانت هذه المرأة البارعة الجامعة بين جمال الصورة وجمال الموهبة الا جميلة العلايلي.. انها من مدينة المنصورة المصرية المسكونة نضارة ووداعة.. رجاءً وعطاءً.. والمنجبة لعديد من أقطاب الشعر والأدب.. كيف نتناسى علي محمود طه الجندول وكليوبطرا والكرنك، وابراهيم ناجي شاعر الاطلال ومحمد عبد الغني حسن شاعر الأهرام وصالح جودت شاعر الليالي؟؟بدأت جميلة أول وهلة تنشر شعرها ونثرها وعمرها - لم يبلغ العشرين أو يكد- كما يقول الشاعر الا خطل الصغير، وذلك في مجلة (ابولو) في صدر الثلاثينيات المنصرمات، ف لقيت من ضروب الرعاية والتشجيع ما حفّزها على الهجرة من المنصورة ذات الخضرة الدائمة، الى القاهرة ذات الضجّة الدائمة، لتمارس مواهبها المتفتحة في مناخ ذاتي أرحب وعلى نطاق اجتماعي أوسع ودعم اعلامي أبعد..لئن نالت جميلة في زمن قياسيّ، تلك الشهرة الذائعة، انما شخصيتها الجذابة اكسبتها عند اقرانها وقريناتها قدراً مميزاً من الاعجاب الخاص والاهتمام الزائد.. فرجل في مستوى -الدكاترة- زكي مبارك، هذا الذي عمل استاذاً بدار المعلمين العالية ببغداد، ذاب بها غراماً وسقاماً حتى نظم من وحيها أرق قصائده الوجدانية التي طواها ديوانه (الحان الخلود) وقد أهداه اليها..كان يناجيها بنبرات هائمة تلميحاً وتصريحاً، ويناديها (ياجمال الجمال) بتكرار له دلالة نفسية وفنية.يا جمال الجمال قد طاب شعرأنت موحيه يا جمال الجمالهو أبهى من روحك العذب معنىيا ملجأ ابدعته بخياليعلى ان زكي مبارك ركز على شعرها المعطر المتوقد في محاضرة القاها بناري (القلم) العراقي في غزّة كانون الثاني من عام (1938) ويوم كان منتدباً للتدريس بدار المعلمين كما اشرت اليه قبل قليل، فضلاً عن تأليفه فيها كتاباً على شكل رسائل عنوانه (مجنون سعاد) نشرته بعد رحيله عام (1953) ابنته (كريمة) هذه التي سبق لها ان زارت بغداد مشاركة في مؤتمر الادباء العرب الخامس المنعقد في أواسط الستينات السابقات، وكان من القدر أن التقيها وان تلتقط لنا صورة تذكارية جمعتنا والآخرين..أما أولئك الذين أكبروا في جميلة العلايلي شاعريتها المجنحة وانطلاقها الظاهر من أسر التقوقع والتخفي فغير قليل عددهم منهم الدكتور أحمد زكي أيو هذا الذي افرد عنها في الجزء الثالث من كتابه (الشعر المصري بعد شوقي) مبحثين في تقسيم شعرها وفي أثرها وفي كونها (رائدة شعر الوجدان النسائي) بمعايير ذاك الزمان.لكن أديباً آخر لا أسميه مان انتقل الى رحمة الله، حاول جادّاً أن يتزوج (الجميلة) بعد وفاة زوجها الأديب سيد ندا عام (1962) فبات يلاحقها برسائله المتوالية ويغازلها بنداءاته الهاتفية المسعورة ايقاعاً لها شركه ولو شرعاً، الا انها أبت مترفعة، مفرطة في (وحيدها) الذي لا غير لها، والاستجابة لما زيّن وأغريبت به، في حين لم يقرّ لها قرار حتى سررت ذلك كله وطلعت به على الرأي العام الأدبي في كتاب عنوانه (أنا وولدي) تدليلاً على اختيارها لا اضطرارها وتعبيراً عن انتصارها في حومة الأمومة التي هي فوق العواطف والمغريات، وأغرب الغرائب ان هذا الأديب بالذات كان يراها (قديسة) لا تمس جديرة بالتوقير والتقدير، وبمجرد ان ترمّلت ارادها متعةً وتوهمها لعبة مشتهاة بين يديه.. لكن هيهات..ترى جميلة ان مسيرتها بدأت مع مراسلتها للكاتبة النابغة ميّ: ماري زيادة.. فقد أخذت هذه توليها عناية، وتوجهها توجيهاً سديداً رشيدا، وكثيراً ما اعترفت جميلة بما كان لميّ من تأثير وتشديد في صعودها الفكري والروحي، وفي خوضها غمار الثقافة والصحافة بثقة وايمان.. عادنت جميلة زوجها سيد ندا عام (1947) على اصدار مجلة (الأهداف) وهي رسالة الصحافة السليمة والحق والمعرفة -هذه التي عمرّت ندوة (الثلاثاء) لميّ، كان يغشاها ملأ من أدباء مصر، والوطن العربي.. في النهاية وبالأحرى بعد وفاة زوجها، نفضت يديها من كل شيء.. تعرضت لأزمة مالية ومهنية وتورطت مع الآخرين في قضايا مرهقة..من هنا وفي سنيّها الأخيرة كان الأخلاد الى الصمت والعزلة شعارها الذي ثبتت عليه، تشكو الجحود والنكود، وتلعن الزمن والمحن، وحجّت الى بيت الله الحرام، غير انها عادت أكثر أسىً وأعمق ضنىً لما شاهدت وتصدّت، فاذا الأمراض والأوجاع تترادى عليها فترغمها على الاستسلام لقضاء الله، خاضعة راضية، حتى كانت وفاتها قبيل أن تتسحر في ليلة رمضانية، الحادي عشر من شهر نيسان (1991) وهي وحيدة متوحدة في غرفتها كما ورد ذلك في مراجع موثقة..في الاستهلال زاولت جميلة العلايلي الشعر الوجداني ثم الاغراض والانماط الاخرى ولها في ذلك دواوين مطبوعة، (نبضات شاعرة) و(صدى احلامي) كما عالجت القصة القصيرة والطويلة والرواية منها (جاسوسة صهيون) و(الناسك) و(الأميرة) و(الراهبة) و(الطائر الحائر) و(احسان) و(أماني) و(هندية) و(المرأة الرحيمة) ومن ثم شاركت في اعداد كتب كـ(قضية فلسطين) و(أدب رمضان) و(أدب الربيع) وهذا الأخير صمّم غلافه فنان عراقي هو أمير عباس وفي ميدان الاجتماعيات عرفت الجميلة بمؤلفاتها (سعاد المرأة) و(النسمات) و(مرشدة الفتاة)... أما مخطوطاتها الشعرية فهي (أنفاس قلب) و(مع الله) و(من وحي جمال عبد الناصر) والنثرية تندرج تحتها (مسيرة حياتها وذكرياتها) و(زكي طليمات ورسائله الأدبية) و(آخر المطاف) و(بعد الصبر) وغير ذلك..كان لي خط المراسلة مع هذه الانسانة الجامعة بين الجمال والخلال، فقد مد سفير الأدباء والشعراء، وديع فلسطين بيني وبينها جسر التعارف والتآلف سنين عددا.. كانت في رسائلها اليّ وتحياتها الأدبية مرآة لصفاء عقلها ورقة حاشيتها ولطافة خطابها بلا التواء وبلا خواء.. انها كانت تحسن الظن بالعراق والعراقيين ولاسيما الأدباء الذين عرفتهم قرباً وبعداً وشاطرتهم وناظرتهم، فهاهي ذي تقول في احدى رسائلها اليّ:(.. فان أبناء العراق تصلني بهم صلة روحية قديمة منذ صباي الباكرة ولهم في نفسي ذكرياتي مشرقة لا تخلو من الحنين اليهم أبداً) راجية لهم على البعد ولكم على القرب أصدق الأماني والتقدير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق